الاثنين، 9 فبراير 2026

Crisis on Infinite Earths: حدث غيّر دي سي للأبد

 قال أصحاب كوميكس توبيا

Crisis on Infinite Earths

حدث غيّر دي سي للأبد


في عالم القصص المصورة المترامي الأطـراف، هناك لحـظات فارقة لا تُنسى، لحظات تُعيد تشكيل الأكوان وتترك بصمة أبدية على الشخصيات التي نحبها. ولعل أبرز هذه اللحظات وأكثرها تأثيرًا في تاريخ دي سي كوميكس هي قصة Crisis on Infinite Earths، أو “أزمة على الأراضي اللانهائية”. لم تكن مجرد قصة مصوّرة، بل كانت حدثًا كونيًا ضخمًا، وثورة إبداعية هدفت إلى تبسيط تاريخ دي سي المعقّد والممتد لخمسين عامًا، وتقديم نقطة انطلاق جديدة للقراء. في منتصف الثمانينيات، كانت دي سي تواجه تحدّيًا كبيرًا؛ فبينما كانت قصصها تمتلك عمقًا تاريخيًا، كان هذا التاريخ نفسه قد أصبح عائقًا أمام القرّاء الجدد الذين وجدوا صعوبة في فهم أي نسخة من سوبرمان أو باتمان يقرؤون عنها. كانت هذه السلسلة المكونة من 12 عددًا، والتي نُشرت بين عامي 1985 و1986، هي الحل الجذري والجريء لهذه المشكلة. علاوة على ذلك، فقد وضعت الأساس لشكل القصص الملحمية (Crossover Events) التي نعرفها اليوم، وأثرت بعمق على كل عمل فني خرج من عباءة دي سي منذ ذلك الحين وحتى عام 2025.

ما قبل الأزمة: فوضى الأكوان المتعددة

لفهم أهمية “أزمة على الأراضي اللانهائية”، يجب أولًا أن نعود بالزمن إلى الوراء. بدأت فكرة الأكوان المتعددة (Multiverse) ببساطة في قصة “Flash of Two Worlds” عام 1961، حيث التقى فلاش العصر الحديث، باري آلين، بنظيره من العصر الذهبي، جاي غاريك. هذا اللقاء فتح الباب أمام مفهوم العوالم المتوازية.

منذ العصر الذهبي للقصص المصورة، كانت دي سي تقدم شخصياتها في عوالم منفصلة. كان هناك “الأرض-1” (Earth-One)، موطن النسخ الحديثة والأكثر شيوعًا من الأبطال مثل باري آلين (The Flash) وهال جوردان (Green Lantern). وفي المقابل، كان هناك “الأرض-2” (Earth-Two)، موطن النسخ الأصلية الأكبر سنًا من العصر الذهبي مثل جاي غاريك (The Flash) وآلان سكوت (Green Lantern)، والذين كانوا أعضاء في جمعية العدالة الأمريكية (Justice Society of America).

"كان الكون المتعدّد فوضويًا. لقد حان الوقت لتنظيف المنزل وتقديم كون واحد متماسك يمكن للجميع فهمه والاستمتاع به". Marv Wolfman,   كاتب القصة

مع مرور الوقت، ازداد عدد هذه العوالم بشكل هائل، حيث ظهرت “الأرض-3″ التي كانت نسخة معكوسة يسيطر عليها أشرار (Crime Syndicate of America)، و”الأرض-S” الخاصة بشخصيات شازام وعائلته التي استحوذت عليها دي سي من شركة Fawcett Comics، و”الأرض-X” حيث انتصر النازيون في الحرب العالمية الثانية وكان الأبطال هم “محاربو الحرية” (Freedom Fighters)، بل وحتى “الأرض-برايم” (Earth-Prime) التي كان من المفترض أن تكون عالمنا الحقيقي الذي لا يوجد به أبطال خارقون. نتيجة لذلك، أصبح تتبّع القصص وفهم استمرارية الأحداث مهمة شبه مستحيلة على القرّاء الجدد، وحتى على المحررين أنفسهم الذين كانوا يجدون صعوبة في تذكر أي نسخة من الشخصية تنتمي لأي عالم.

مهندسو التغيير: وولفمان وبيراز

وسط هذه الفوضى الإبداعية، ظهر رجلان بحلم جريء: الكاتب Marv Wolfman  والرسام الأسطوري George Pérez  .كان وولفمان يرى أن مستقبل دي سي يعتمد على قدرتها على جذب قراء جدد، وهذا لن يحدث إلا بوجود كون واحد موحد وسهل الفهم. أما بيراز، بقدرته الفذة التي لا تضاهى على رسم أعداد هائلة من الشخصيات بتفاصيل مذهلة في إطار واحد، فكان الشريك المثالي لتحويل هذه الرؤية إلى حقيقة مرئية. استغرق التحضير للحدث سنوات، حيث قام وولفمان، بمساعدة فريق من المحرّرين والباحثين، بقراءة ودراسة كل قصة نشرتها دي سي على مدار 50 عامًا ليضمن أن كل شخصية وكل عالم يحصل على خاتمة لائقة. لقد أنشأ “موسوعة” ضخمًا للسلسلة، توثّق مصير كل شخصية معروفة في دي سي، مهما كانت غامضة. كان طموح بيراز الفني موازيًا لطموح وولفمان السردي؛ لقد صمّم مئات الأزياء الجديدة والمظاهر المحدثة للشخصيات، وعمل بلا كلل لرسم صفحات مزدحمة بالأبطال والأشرار دون أن تبدو مشوشة، مانحًا كل شخصية لحظتها الخاصة حتى في خضم الفوضى الكونية.



حبكة أزمة على الأراضي اللانهائية: نهاية كل شيء

تبدأ القصة بظهور تهديد لا مثيل له. قوة هائلة من المادة المضادة، يقودها كائن شرير يُعرف بـ Anti-Monitor، تبدأ في محو الأكوان المتعددة واحدًا تلو الآخر، تاركة وراءها فراغًا أبيض لا نهاية له. يتم تقديم هذا الدمار من خلال شخصية Pariah، العالِم الذي تسببت تجربته عن غير قصد في إطلاق العنان للآنتي-مونيتور، وعوقب بأن يشهد موت كل عالم دون أن يموت هو نفسه. في مواجهة هذا الخطر الوجودي، يظهر نظيره من عالم المادة، The Monitor، الذي أمضى دهرًا يستعد لهذه اللحظة. يقوم المراقب، بمساعدة مساعدته المخلصة Harbinger  (ليلى مايكلز)، بجمع أعظم الأبطال والأشرار من العوالم المتبقية في محاولة يائسة لوقف تقدم الآنتي-مونيتور وجيشه من شياطين الظل Shadow Demons  هذه التحالفات كانت غير مسبوقة، حيث رأينا أعداء لدودين مثل ليكس لوثر وبرينياك يقاتلون جنبًا إلى جنب مع سوبرمان. لم تكن شياطين الظل مجرّد جنود، بل كانت مخلوقات فاسدة تمتص قوة الحياة، وقادرة على التلاعب بالأبطال نفسيًا وجسديًا، مما جعلها تهديدًا مرعبًا.

على مدار 12 عددًا ملحميًا، نشهد معارك كونية لم يسبق لها مثيل. لم يقتصر الأمر على الأبطال فقط، بل لعب الأشرار دورًا محوريًا. ففي خطوة جريئة، قام Brainiac  وLex Luthor  من الأرض-1 بتشكيل تحالف خاص بهما من الأشرار من مختلف العوالم، بهدف استغلال الأزمة للسيطرة على الأراضي المتبقية. هذا الصراع الداخلي بين الأبطال والأشرار، بينما الكون نفسه ينهار، أضاف طبقة من التعقيد والتوتر للقصة. تتصاعد الأحداث بسرعة، فبعد مقتل المراقب على يد مساعدته التي سيطر عليها الآنتي-مونيتور، يقع عبء إنقاذ ما تبقى من الوجود على عاتق الأبطال أنفسهم، بمساعدة Alexander Luthor Jr.  من الأرض-3، الناجي الوحيد من عالمه والابن البطولي لنظير سوبرمان في ذلك العالم. كانت القصة جريئة بما يكفي لقتل شخصيات رئيسية ومحبوبة، في خطوة صادمة أثبتت أن لا أحد آمن. كانت المخاطر حقيقية، والنهاية غير مضمونة.



تضحيات غيرت التاريخ: موت الأيقونات

من بين اللحظات الأكثر تأثيرًا في “أزمة على الأراضي اللانهائية” كانت التضحيات البطولية التي رسخت مكانة السلسلة في تاريخ الكوميكس. أولًا، شهدنا الموت المأساوي لـ Supergirl (Kara Zor-El)  في العدد السابع، وبينما كان سوبرمان فاقدًا للوعي تحت رحمة الآنتي-مونيتور، تدخلت كارا لإنقاذه. في معركة شرسة وملحمية، ألحقت ضررًا جسيمًا بالشرير الكوني، لكنها دفعت الثمن بحياتها. كانت هذه اللحظة، التي تم تخليدها في غلاف العدد السابع الأيقوني الذي رسمه بيراز ببراعة، حيث يحمل سوبرمان جسدها الهامد وهو يصرخ من الألم، بمثابة صدمة للقراء. لم تكن مجرّد وفاة، بل كانت إعلانًا واضحًا من دي سي أن القواعد قد تغيرت، وأن حتى رموز الأمل يمكن أن تسقط. لقد أظهرت أن الرهانات كانت حقيقية تمامًا.



لاحقًا، في العدد الثامن، قدم باري آلين (The Flash) التضحية النهائية. لإيقاف مدفع المادة المضادة الذي كان سيدمر العوالم الخمسة المتبقية، ركض باري أسرع من أي وقت مضى، محطمًا حواجز الواقع وإحداث دوامة طاقة عكسية دمرت السلاح. أثناء ركضه الأخير، دخل في قوة السرعة (Speed Force) وتجاوز حدود وجوده المادي. تحلّل جسده إلى طاقة نقية وهو يسافر عبر الزمن، ولم يتبق منه سوى زيّه الفارغ. لقد أنقذ بذلك الملايين، لكنه ضحّى بنفسه في هذه العملية. موته لم يكن مجرد نهاية لشخصية، بل كان لحظة تعريفية لعقود قادمة، حيث أصبح إرثه مصدر إلهام لخليفته Wally West  الذي حمل عباءة الفلاش تكريمًا له. والأهم من ذلك، أن موت باري ظل قائمًا لأكثر من عشرين عامًا، وهو ما أعطى التضحية وزنًا وثقلًا نادرين في عالم القصص المصورة.



معركة فجر الزمن ودور  Spectre

بلغت الأزمة ذروتها في معركة لم يسبق لها مثيل عند فجر الزمن نفسه. بعد تدمير عالمه المضاد، سافر الآنتي-مونيتور إلى بداية الحدث قد يقال بهدف منع نشوء الحدث من الأساس، وبالتالي إعادة كتابة التاريخ ليحتوي على عالمه المظلم فقط. لمواجهته، اجتمع أقوى أبطال السحر والأبطال الكونيين، بقيادة The Spectre، روح الانتقام. في هذه اللحظة الحاسمة، خاض Spectre  معركة روحية وجسدية هائلة ضد الآنتي-مونيتور، معركة هزت أسس الواقع. وبينما كان Spectre يصارع الشرير الكوني في مواجهة مباشرة، استخدم أبطال الأرض طاقتهم المتبقية لإعادة توجيه الانفجار الكوني  (Big Bang)، مما ضمن ولادة كون واحد فقط بدلاً من أكوان متعددة. هذه المواجهة لم تكن مجرد قتال، بل كانت صراعًا فلسفيًا بين الوجود والعدم، وانتهت بتضحية Spectre الذي استنفد كل طاقته تقريبًا لضمان وجود المستقبل.


ما بعد الأزمة: ولادة  كون  دي سي  الجديد

في نهاية القصة الملحمية، وبعد معركة فجر الزمن، تم دمج العوالم القليلة المتبقية (الأرض-1، الأرض-2، الأرض-4، الأرض-S، والأرض-X) في عالم واحد موحد، “أرض جديدةNew Earth  هذا الكون الجديد كان له تاريخ واحد واستمرارية واحدة. الشخصيات التي نجت لم تعد تتذكر وجود الأكوان المتعددة، باستثناء قلة قليلة مثل Psycho-Pirate  الذي تم دفعه إلى الجنون بسبب ذكرياته. أتاح هذا “إعادة التشغيل الناعمة” (Soft Reboot) لدي سي فرصة لإعادة سرد أصول أعظم أبطالها لجيل جديد. على سبيل المثال، أعاد الكاتب والرسام John Byrne  تعريف سوبرمان في سلسلة The Man of Steel  عام 1986، حيث جعله الناجي الوحيد من كوكب كريبتون وأبقى والديه بالتبني، جوناثان ومارثا كينت، على قيد الحياة حتى مرحلة بلوغه، مما أضاف عمقًا إنسانيًا جديدًا للشخصية. كما قدم Frank Miller  رؤية مظلمة وواقعية للرجل الوطواط في Batman: Year One وبالمثل، أعاد George Pérez  نفسه كتابة تاريخ المرأة الخارقة، وربطها بشكل أعمق بالأساطير اليونانية وجعلها سفيرة للسلام في عالم الرجال. هذه البدايات الجديدة أنعشت الشخصيات الكلاسيكية وأصبحت القصص المرجعية لها لسنوات طويلة.


الإرث والتأثير: كيف تستمر الأزمة حتى ٢٠٢٥؟

لم يكن تأثير “أزمة على الأراضي اللانهائية” مؤقتًا. لقد وضعت القصة معيارًا للقصص الملحمية (Events) في صناعة الكوميكس. أصبحت فكرة وجود سلسلة مركزية مع عشرات القصص الفرعية (Tie-ins) في العناوين الأخرى هي النموذج المتبع للأحداث الكبرى. كل حدث كبير جاء بعدها، مثل Zero Hour: Crisis in Time! (1994)، Infinite Crisis (2005) التي كانت بمثابة تكملة مباشرة للأزمة الأصلية، وFinal Crisis (2008)، وحتى Flashpoint (2011) و The New 52، كان يحمل في طياته صدى للأزمة الأصلية، إما كمحاولة لتكرار نجاحها أو كاستجابة مباشرة لإرثها. كما أن الأزمة تركت وراءها بعض المشاكل غير المقصودة؛ على سبيل المثال، دمج نسخ متعددة من شخصية مثل Hawkman أدّى إلى جعل واحد من أكثر التواريخ المعقدة والمربكة في تاريخ الكوميكس، وهو ما حاول الكتّاب إصلاحه لعقود. علاوة على ذلك، فإن فكرة الكون المتعدّد، التي حاولت القصة محوها، عادت بقوة في السنوات اللاحقة، لأنها ببساطة فكرة غنية جدًا لا يمكن التخلّي عنها. ومع ذلك، فإن كل عودة للكون المتعدّد تتم الآن مع فهم أعمق وتقدير أكبر لتأثير الأزمة الأولى.


الأزمة على الشاشات: من Arrowverse إلى الرسوم المتحركة

في عامي 2019 و2020، وصل إرث القصة إلى الشاشة الصغيرة من خلال حدث Arrowverse  أو (عالم السهم) الضخم الذي حمل نفس الاسم. جمع هذا الكروس أوفر شخصيات من مسلسلات Arrow، The Flash، Supergirl، Legends of Tomorrow، وBatwoman، في محاولة طموحة لتكييف القصة الكلاسيكية. لقد نجح في تقديم لحظات أيقونية، بما في ذلك تضحية Green Arrow (Oliver Queen)  لإنقاذ الكون المتعدّد، في دور مشابه لدور سوبرمان الأصلي.  كما قام الحدث بربط عوالم دي سي التلفزيونية والسينمائية المختلفة عبر ظهور شخصيات من أفلام ومسلسلات قديمة، مثل ظهور براندون راوث في دور سوبرمان من فيلم Superman Returns، وتوم ويلينغ من مسلسل  Smallville، وحتى ظهور خاطف لآزرا ميلر بدور البرق من عالم دي سي السينمائي، مما صنع احتفالية كبرى بتاريخ دي سي على الشاشة.


الأمر لم يتوقف عند هذا الحد. ففي عامي 2024 و2025، حصلت القصة أخيرًا على التكيّف الذي طال انتظاره في عالم الرسوم المتحركة من خلال ثلاثية أفلام طموحة من إنتاج Warner Bros. Animation  هذه الأفلام Justice League: Crisis on Infinite Earths  في أجزاء ثلاثة، قدّمت نسخة أكثر وفاءً للقصة المصورة الأصلية، مستفيدة من حرّية الرسوم المتحرّكة في تصوير المعارك الكونية والأعداد الهائلة من الشخصيات. لقد أعادت هذه الأفلام تقديم القصة لجمهور جديد، مع الحفاظ على عمقها العاطفي وتضحياتها المؤلمة، بما في ذلك تصوير موت باري آلين وسوبرغيرل بشكل مؤثر. كما أنها استعانت بممثلين صوتيين من مشاريع دي سي المتحرّكة السابقة، لتربط بين أجيال مختلفة من محبي الرسوم المتحركة، مؤكّدة أن هذه الملحمة لا تزال قادرة على إثارة الرهبة والصدمة حتى بعد مرور أربعة عقود على نشرها.


أكثر من مجرد قصة

في الختام، تبقى “أزمة على الأراضي اللانهائية” حجر الزاوية في تاريخ دي سي كوميكس. كانت محاولة جريئة وناجحة لإصلاح عقود من الفوضى، لكنها في جوهرها كانت احتفالًا بكل ما جعل دي سي عظيمة: أبطالها، وأشرارها، وعوالمها التي لا نهاية لها. لقد كانت بمثابة وداعية مهيبة للعصر الفضي والبرونزي للكوميكس، وبداية للعصر الحديث الأكثر قتامة وتعقيدًا. إنها قصة عن الفوضى والنظام، عن الموت والولادة من جديد، وعن التضحية المطلقة في مواجهة ظلام لا يمكن تصوّره. إنها أيضًا قصة عن الإرث، فموت الأبطال لم يذهب سدى بل ألهم جيلاً جديدًا ليحمل الشعلة. وبعد كل هذه السنوات، لا تزال تتردّد أصداء تلك السماء الحمراء المشؤومة، التي كانت تنذر بنهاية عالم ما، لتذكرنا بالحدث الذي غير كل شيء، وإلى الأبد.          الإخراج الفني حمزة الأسد










تنزيل المقال بصيغة pdf

هنــا


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق